الشيخ محمد رشيد رضا
359
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لباسا يواري سوآتكم وهو أدنى اللباس وأقله الذي يعد فاقده ذليلا مهينا - وريشا تزينون به في مساجدكم ومجالسكم ومجامعكم ، وهو أعلاه وأكمله ، وبينهما لباس الحاجة وهو ما يقي الحر والبرد . والامتنان به يؤخذ من الامتنان بما فوقه بطريق المفهوم من الأسلوب ، أو هو داخل فيه بطريق المنطوق على ما اخترنا آنفا والمراد بانزال ما ذكر أن اللّه تعالى خلق لبني آدم مادته من القطن والصوف والوبر وريش الطير والحرير وغيرها ، وعلمهم بما خلق لهم من الغرائز والقوى والأعضاء وسائل صنع اللباس منها كالزراعة والغزل والنسج والخياطة وإن مننه تعالى بهذه الصناعات على أهل هذا العصر أضعاف مننه على المتقدمين من شعوب بني آدم فيجب أن يكون شكرهم له أعظم ، فقد بلغ من اتقان صناعات اللباس أن عاهل المانية الأخير ( قيصرها ) دخل مرة أحد معامل الثياب ليشاهد ما وصلت اليه من الاتقان فجزوا أمامه عند دخوله صوف بعض اكباش الغنم - ولما انتهى من التجوال في المعمل ومشاهدة أنواع العمل فيه وأراد الخروج قدموا له معطفا ليلبسه تذكارا لهذه الزيارة وأخبروه أنه صنع من الصوف الذي جزوه أمامه عند دخوله - فهم قد نظفوه في الآلات المنظفة فغزلوه بآلات الغزل فنسجوه بآلات النسج ففصلوه فخاطوه في تلك الفترة القصيرة ، فانتقل في ساعة أو ساعتين من ظهر الخروف إلى ظهر الإمبراطور وامتنانه تعالى على بني آدم بلباس الزينة يدل على استحبابها ، ولا يعارضه قوله تعالى في أوائل سورة الكهف ( 18 : 8 إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) وان فسر الحسن البصري احسان العمل بترك الدنيا وسفيان الثوري بالزهد فيها . ذلك بأن دين الاسلام هو دين الفطرة فليس فيه ما يخالف مقتضاها ويناقض غرائزها ، بل هو مهذب ومكمل لها . وحب الزينة من أقوى غرائز البشر الدافعة لهم إلى اظهار سنن اللّه في الخليقة وأنواع نعمه على عباده كما سنفصله في تفسير ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ ) في هذا السياق ، وتحقيق معنى كونها ابتلاء ان اللّه تعالى يختبر بها طالبها ما يقصد منها ؟ وواجدها أيشكر المنعم عليه بها إذا استعملها ، ويقف عند الحد المشروع فيها ، وما ذا يقصد وينوي بترك ما يتركه منها . وفاقدها ايصبر . على